أنا إنسان عاشق للذكريات، متعلق بالماضي، أميل لاستحضار لحظاتي الجميلة وأحن إليها. رغم بساطتها، كانت أيامًا سعيدة، مليئة بالمغامرات، بالصحبة، بالفرح الذي يلوّن كل يوم بطعم ولون مختلف.
أما اليوم، بعد مرور السنين ودخول العشرينات من عمري، صارت الكلمات الوحيدة التي تصف حياتي: الوحدة، الاكتئاب، الأرق، الضياع، الإدمان، الانسحاب، اليأس، التوتر، الخوف، قلة التركيز، الإفراط في التفكير، الكسل والخمول. أيامي التي كانت بهيجة، انقلبت إلى روتين كئيب تعيس، يتكرر كل يوم منذ شهور وربما أعوام. لم أعد أتلذذ بطعم الحياة، اختفى الشغف والرغبة، وصار فقدان الهدف يطغى على أي محاولة للتقدم.
أصبحت حبيس غرفتي، حيث الجدران شاهدة على كل تردّد وخوف، و هاتفي يبدو لي كـ “سارق أغلى ما نملك”: ينهش الوقت، يسرق التركيز، يبتلع الأفكار ويستبدلها بصخب لا ينتهي، يبعدني عن نفسي، عن الآخرين، وعن الحياة الحقيقية التي تنتظر من يجرؤ على المغامرة. درجاتي في الجامعة متدنية، وحتى الحضور أصبح عبئًا. كلمَة واحدة قد تقلب مزاجي رأسًا على عقب.
ومع كل هذا، ما زال هناك بصيص من الأمل. ما زلت أرى فرصة للتغيير، لتحسين وضبط مسار حياتي، لتعويض ما فاتني من سنوات. أدركت شيئًا مؤلمًا وهادئًا في آن واحد: ما أمر به ليس مرضًا، بل وهم أحيانًا نصنعه لنخدع أنفسنا ونتجنب مواجهة أهم مرحلة في حياتنا، مرحلة العشرينات، مسرح التحولات الكبرى.
خاطبت نفسي بهدوء: إما أن تنهض، تكافح، وتخلع عنك معطف الحزن والضعف، أو أن تعيش بقية حياتك أسيرًا لتلك المشاعر.
وهنا يكمن الاختيار: لكل منا القوة ليعيد بناء نفسه، لإشعال شرارة الأمل من بين رماد الأيام الصعبة، ليجعل من الحاضر بداية مشرقة لمستقبل يستحق أن يُعاش بشغف.
“من لم يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.” — أبو القاسم الشابي

